الشيخ محمد رشيد رضا
442
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 129 : 129 ) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً * * * تقدم ان الكلام كان من أول السورة إلى ما قبل قوله تعالى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً في الاحكام المتعلقة بالنساء واليتامى والقرابة ، ومن آية « وَاعْبُدُوا اللَّهَ » إلى آخر ما تقدم تفسيره في أحكام عامة أكثرها في أصول الدين وأحوال أهل الكتاب والمنافقين والقتال . وقد جاءت هذه الآيات بعد ذلك في احكام النساء فهي من جنس الأحكام التي في أول السورة . ولعل الحكمة في وضعها ههنا تأخر نزولها إلى أن شعر الناس بعد العمل بتلك الآيات بالحاجة إلى زيادة البيان في تلك الأحكام ، فإنهم كانوا يهضمون حقوق الضعيفين - المرأة واليتيم - كما تقدم فأوجبت عليهم تلك الآيات مراعاتها وحفظها وبينتها لهم ، وجعلت للنساء حقوقا ثابتة مؤكدة في المهر والإرث كالرجال وحرمت ظلمهن ، وتعدد الزوجات منهن ، مع الخوف من عدم العدل بينهن ، وحددت العدد الذي يحلّ منهن في حال عدم الخوف من الظلم ، فبعد تلك الأحكام عرف النساء حقوقهن ، وان الاسلام منع الرجال الأقوياء أن يظلموهن ، فكان من المتوقع بعد الشروع في العمل بتلك الاحكام ان يعرف الرجال شدة التبعة التي عليهم في معاملة النساء وان يقع لهم الاشتباه في بعض الوقائع المتعلقة بها ، كأن تحدث بعضهم نفسه بأن يحل له أو لا يحل ان يمنع اليتيمة ما كتب اللّه لها من الإرث وهو يرغب ان ينكحها ، ويشتبه بعضهم فيما يصالح امرأته عليه إذا أرادت أن تفتدي منه ، ويضطرب بعضهم في حقيقة العدل الواجب بين النساء : هل يدخل فيه العدل في الحب أو في لوازمه العملية الطبيعية من زيادة الاقبال على المحبوبة والتبسط في الاستمتاع بها أم لا ؟ - كل هذا مما تشتد الحاجة إلى معرفته بعد العمل بتلك الاحكام ، فهو مما كان يكون موضع السؤال والاستفتاء ، فلهذا جاء بهذه الآيات بعد طائفة من الآيات وطائفة من الزمان ، وقد علمنا من سنة القرآن عدم جمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد في سياق واحد ، لان المقصد الأول من